ابن كثير
276
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ سبأ : 41 ] ولهذا قال تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ أي وخلقهم ، فهو الخالق وحده لا شريك له ، فكيف يعبد معه غيره ، كقول إبراهيم أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 95 - 96 ] ومعنى الآية ، أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده ، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة ، وحده لا شريك له . وقوله تعالى : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ينبه به تعالى عن ضلال من ضل ، في وصفه تعالى بأن له ولدا كما يزعم من قاله من اليهود في عزير ، ومن قال من النصارى في عيسى ، ومن قال من مشركي العرب في الملائكة ، إنها بنات اللّه تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا ومعنى وخرقوا أي اختلقوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا ، كما قاله علماء السلف : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : وخرقوا يعني تخرصوا « 1 » ، وقال العوفي عنه وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال كذبوا وكذا قال الحسن ، وقال الضحاك ، وضعوا ، وقال السدي قطعوا ، قال ابن جرير « 2 » : وتأويله إذا وجعلوا للّه الجن شركاء في عبادتهم إياهم ، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ يقول : وتخرصوا للّه كذبا فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم ] « 3 » بحقيقة ما يقولون ، ولكن جهلا باللّه وبعظمته ، فإنه لا ينبغي لمن كان إلها ، أن يكون له بنون وبنات ، ولا صاحبة ، ولا أن يشركه في خلقه شريك . ولهذا قال سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ أي تقدس وتنزه وتعاظم ، عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون ، من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 101 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبدعهما ، وخالقهما ، ومنشئهما ، ومحدثهما ، على غير مثال سبق ، كما قال مجاهد والسدي : ومنه سميت البدعة بدعة ، لأنه لا نظير لها فيما سلف ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ أي كيف يكون ولد ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ، أي والولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين ، واللّه تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه ، لأنه خالق كل شيء ، فلا صاحبة له ولا ولد ، كما قال تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا إلى قوله وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 88 - 95 ] وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء ، وأنه بكل شيء عليم ، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه ، وهو الذي لا نظير له ، فأنى يكون له ولد ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 292 . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) الزيادة بين معقوفين من الطبري .